المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشورة و البرنيطة


صالح صلاح شبانة
16-03-2008, 12:23 AM
صالح صلاح شبانة .

كان الشهد غريباً وغير عادي على الاطلاق.
.
فقد تعودنا على ذلك الرجل الرزين يلبس الدماية (القماز) والسروال الابيض، ويحرص على وضع الزر بالعروة، حتى لا يغافله وينحسر عن ساقه، والحطة البيضاء او (الشورة)، والعقال الاسود، وكان من المرعز وهو اسود من جناح الغراب.
.
فيتافر الابيض مع الاسود فيعطي مزيداً من الهيبة لذلك الرجل.
.
وهذا هو المظهر اليومي العادي المألوف لتلك الشخصية.
اما الغريب فأنه كان يلبس بدلة افرنجية، بنطلون مع جاكيت، مع صديرية، وربطة عنق، وقد استبدل الحطة البيضاء بالبرنيطة السوداء، ولم تكن تنقص اناقته الا الغليون يفوح برائحة التبغ الفرجيني المعطر.
ليصبح الحاج ابو فلان، الخواجا فلان، على مبدأ ان الخواجات لا توجد لديهم عقدة الابوات ملثما هي موجودة عندنا نحن.
وفاح الخبر في القرية مثل المدبرة التي حركتها يد عابثة بعصا غليطة.
وارتسمت الدهشة على وجوه الناس.
.
فلا يخطر على بال احد ان هذه الامور غير مهمة في القرية.
.
فقد شلح احدهم الحطة مرة وذهب الى المدينة، وبعدها صارت تاريخاً، (يوم شلح فلان الحطة)! وبعد الاستقصاء والبحث والتدوير تبين ان الرجل مسافر الى بلاد برة.
.
ومن غير المعقول ان يسافر الى اليورك (نيويورك) وهو يلبس (الدماية والشورة) فهذه تعتبر فضيحة امام الاجانب، وقد اقنعنا بوجهة نظره ودافعنا عنها واعذرناه.
قفزت تلك الصورة القديمة على سطح ذاكرتي وانا انظر الى افواج السياح الاجانب الذين يلبسون (الشباح والشورت)، رجالاً ونساء.
.
(غنم الدير في ارض الدير) وهم يحملون عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم ويتصرفون وكانهم لم يركبوا الطيارة ويحضروا الى بلاد لا تتفق معهم بكثير من الآراء.
.
وترى رجالهم يلبسون الحلق في آذانهم.
.
وهو مباح للرجل على شرط ان يكون بالاذن اليسرى، اما ان كان باليمنى فالمسألة حساسة.
لماذا عندما نسافر اليهم نتزيا بزيهم ونخاف نقدهم، مع انهم لا ينظرون الى هذه الهوامش لان لديهم من التقاليع ما يملأ القواميس وكل غريب نراه ونستهجنه فهو عادي عندهم و(ما غريب الا الشيطان).
طبعاً تلاشت كل الاعتقادات التي كانت سائدة، ولم يعد شلح فلان للحطة وذهابه الى المدينة دونها يثير الاستغراب ويصبح تاريخاً تضبط عليه النساء مواقيت الولادة والوفاة والختان وحتى الاعراس عليها.
عندما ننظر الى انفسنا نظرة دونية، وترى ان تاريخ الاخرين خير من تاريخنا وحضارتهم خير من حضارتنا وحياتهم خير من حياتنا.
عندما يسافر الاعزب او حتى المتزوج (اللي عينه زايغة)، فانهم يعبثون باعراضهم و(يعملوا السبعة وذمتها)، ولكنه في بيته يبقى حريصاً ان لا يحدث ما يفعله بالاخرين به!، ونرى انه يندمج في لعب القمار وشرب الخمر والمضاربة وغيرها مما هو غير مألوف في بلادنا ويعتبر حراماً.
.
ولا تهتز له شعرة، ولكنه عندما يريد ان يأكل يبحث عن الذبح الحلال فيجعل بعض العارفين بتقديم له ما هو ليس حلالاً على انه حلال.
.
ويأخذون اسعاراً باهضة.
راحت الحطة وقلوا زبائنها (ولبيستها) واندحر العقال.
.
او هو في اخر عصر من عصوره، كما اندحرت الدماية (القمباز) واصبحت في المتاحف، ويلبسها الفنانون في الاستعراضات الشعبية، حتى انا عندي واحدة احملها بكيس عندما اذهب للمشاركة بندوة او امسية ارتديها فوق ملابسي مع الحطة والعقال وفور انتهاء الامسية اعود الى ملابسي وتعود الى الظلام.
.
وان ما ذهبنا اليه هو قديم جديد.
.
ان ترى حضارة وحياة الاخرين اصح منا.
.
وليس كل ما يلمع ذهباً.
. لعلنا نتذكر.