صالح صلاح شبانة
18-03-2008, 10:43 PM
صالح صلاح شبانة
شاعر الاردن الكبير المرحوم مصطفى وهبي التل «عرار» يرتبط بذاكرتي ووجداني باشياء كثيرة، فهو رفض الغنى والجاه والمناصب، واتخذ البساطة والتواضع والمرح، واحب الحياة على طبيعتها، فكان من الطبيعي ان يحب النور ويخلدهم في شعره المحبوب، ويجعل من شخصية «الهبر» محورا في اكثر شعره، واكثر نثره او كل حياته بما روي عنه، مكتوبا كان ام مشافهة تتناقله الناس، بالطرفة والنادرة.
«نور نسميهم» احدى عبارات عرار، و «بين الخرابيش» من اشهر قصائده على الاطلاق، فهم يقبعون في خيامهم المرقعة والملونة، وان كانوا قد استبدلوا بالحمير البكات، واستبدلوا بالكلاب اجهزة الانذار، الا انهم لا زالوا على طبيعتهم وسجيتهم!
يرتبطون في ذاكرتي بحديث لو بدأته ما ظننت انه ينتهي، فقد كانوا يحلون على قريتنا بين حين واخر، وخصوصا وقت الحراث، فالسكة او «المحسوم» يحتاج الى حرافة والفأس كذلك والشبرية والسكين والقدوم والمنتاش، وكل ادوات الزراعة، وكذلك ادوات الحجار البريمانية والنخل والمسامير التي تخترق الصخر المز تحت ضربات المهده او «الدبورة» وزند الحجار.. وادوات البيت، الساطور والسكين «الخوصة» وادوات الحلاق.. المقص والموس.. فهم كانوا يحضرون حياتنا بكل تفاصيلها، غائبين كانوا ام حاضرين!!
كانت الارض واسعة، وحتى وهي تضيق فلا تضيق بهم، انهم شعب محبوب يعيش على البساطة والفطرة، شعب فنان وطروب، ترقص له الطبيعة فرحا وجذلا.
احبهم عرار، وعندما حضر وزير الثقافة البريطاني في زيارة للمملكة طلب المرحوم الملك عبدالله الاول من عرار ان يريه معالم عمان الثقافية، فاخذه الى عين غزال، في خرابيش النور واقاموا له احتفالا، وزفوه على حمار الهبر، فكتب الوزير ان اجمل ليلة في عمره تلك التي امضاها برفقة عرار في خرابيش النور!
نعم، في خرابيشهم فهم لا تعنيهم الفلل والقصور، ولا حتى البيوت المتواضعة، ولا يستبدل كل عقارات الارض بخربوشة، ويعيش كل يوم في مكان غير معني بارتفاع سعر الذهب ولا النفط، ولا تقلبات البورصة، فهو يعيش حياته بسعادة مطلقة ولا تستطيع الظروف ان تنتزع منه هذه السعادة ولا تستطيع الحياة ان تلفظه الى خارجها، فهو موجود في محورها!
والنوري يعتز باصله وعراقته ولا يحبذ المصاهرة مع غير بني قومه، و اذكر ان اسرة كانت تتردد على قريتنا «سنجل- رام الله» اكثر من القرى الاخرى حتى انها باتت معروفة في القرية و «محسوبة علينا»، وان شابا كان يعشق ابنة عمه، وطلبها للزواج، فابت امها، فوسط احد اعمامي وكان من وجوه القرية ورجالها المعدودين، فلم يخيب امله وذهب معه وقال لها «ما دام الولد والبنت بيحبوا بعض جوزيهم يا بنت الناس» فقالت بكبرياء «اسمع يا حجي، والله لو بعطيها لفلاح مثل افضالك ما اعطيته اياها»!! فهو بمكانته وقدره في القرية وبين الناس لم يكن شيئا يذكر في اعتزازها باصلها وبنتها!!
اذكر النورية بملابسها الملونة وغوايشها التقليدية والحلقة في انفها او الدبوس.. وسروالها الواسع الفضفاض بالكشكش ومنديلها الذي يغطي بعض شعرها فيما جدائلها ملقاة على صدرها، وهي ترقص بين الرجال في الحفلات والاعراس، او وهي ترمي الودع وتقرأ البخت او وهي تبيع «المناقل والمقاحر والسكاكين والابر والدبابيس»..
اذكر النور بحميرهم وكلابهم ونفخهم الكير على الحطب والمطارق تصنع من الحديد الصديء العدم اشياء ذات قيمة، وعازف الربابة يوقظ الاحاسيس وهو يغني ويعزف، وسلمى ترقص والصبية بملابسهم الممزقة حفاة الاقدام، شبه عراة الاجسام..!!
انها ذكريات يوقظها عرار في النفس كلما خطر بيت من شعره الخالد على النفس وماذا اجمل من:
بين الخرابيش لا عبد ولا امة او لا ارقاء بزي احرار. الكل زط مساواة محققه، تنفي الفوارق بين الجار والجار؟!.
شاعر الاردن الكبير المرحوم مصطفى وهبي التل «عرار» يرتبط بذاكرتي ووجداني باشياء كثيرة، فهو رفض الغنى والجاه والمناصب، واتخذ البساطة والتواضع والمرح، واحب الحياة على طبيعتها، فكان من الطبيعي ان يحب النور ويخلدهم في شعره المحبوب، ويجعل من شخصية «الهبر» محورا في اكثر شعره، واكثر نثره او كل حياته بما روي عنه، مكتوبا كان ام مشافهة تتناقله الناس، بالطرفة والنادرة.
«نور نسميهم» احدى عبارات عرار، و «بين الخرابيش» من اشهر قصائده على الاطلاق، فهم يقبعون في خيامهم المرقعة والملونة، وان كانوا قد استبدلوا بالحمير البكات، واستبدلوا بالكلاب اجهزة الانذار، الا انهم لا زالوا على طبيعتهم وسجيتهم!
يرتبطون في ذاكرتي بحديث لو بدأته ما ظننت انه ينتهي، فقد كانوا يحلون على قريتنا بين حين واخر، وخصوصا وقت الحراث، فالسكة او «المحسوم» يحتاج الى حرافة والفأس كذلك والشبرية والسكين والقدوم والمنتاش، وكل ادوات الزراعة، وكذلك ادوات الحجار البريمانية والنخل والمسامير التي تخترق الصخر المز تحت ضربات المهده او «الدبورة» وزند الحجار.. وادوات البيت، الساطور والسكين «الخوصة» وادوات الحلاق.. المقص والموس.. فهم كانوا يحضرون حياتنا بكل تفاصيلها، غائبين كانوا ام حاضرين!!
كانت الارض واسعة، وحتى وهي تضيق فلا تضيق بهم، انهم شعب محبوب يعيش على البساطة والفطرة، شعب فنان وطروب، ترقص له الطبيعة فرحا وجذلا.
احبهم عرار، وعندما حضر وزير الثقافة البريطاني في زيارة للمملكة طلب المرحوم الملك عبدالله الاول من عرار ان يريه معالم عمان الثقافية، فاخذه الى عين غزال، في خرابيش النور واقاموا له احتفالا، وزفوه على حمار الهبر، فكتب الوزير ان اجمل ليلة في عمره تلك التي امضاها برفقة عرار في خرابيش النور!
نعم، في خرابيشهم فهم لا تعنيهم الفلل والقصور، ولا حتى البيوت المتواضعة، ولا يستبدل كل عقارات الارض بخربوشة، ويعيش كل يوم في مكان غير معني بارتفاع سعر الذهب ولا النفط، ولا تقلبات البورصة، فهو يعيش حياته بسعادة مطلقة ولا تستطيع الظروف ان تنتزع منه هذه السعادة ولا تستطيع الحياة ان تلفظه الى خارجها، فهو موجود في محورها!
والنوري يعتز باصله وعراقته ولا يحبذ المصاهرة مع غير بني قومه، و اذكر ان اسرة كانت تتردد على قريتنا «سنجل- رام الله» اكثر من القرى الاخرى حتى انها باتت معروفة في القرية و «محسوبة علينا»، وان شابا كان يعشق ابنة عمه، وطلبها للزواج، فابت امها، فوسط احد اعمامي وكان من وجوه القرية ورجالها المعدودين، فلم يخيب امله وذهب معه وقال لها «ما دام الولد والبنت بيحبوا بعض جوزيهم يا بنت الناس» فقالت بكبرياء «اسمع يا حجي، والله لو بعطيها لفلاح مثل افضالك ما اعطيته اياها»!! فهو بمكانته وقدره في القرية وبين الناس لم يكن شيئا يذكر في اعتزازها باصلها وبنتها!!
اذكر النورية بملابسها الملونة وغوايشها التقليدية والحلقة في انفها او الدبوس.. وسروالها الواسع الفضفاض بالكشكش ومنديلها الذي يغطي بعض شعرها فيما جدائلها ملقاة على صدرها، وهي ترقص بين الرجال في الحفلات والاعراس، او وهي ترمي الودع وتقرأ البخت او وهي تبيع «المناقل والمقاحر والسكاكين والابر والدبابيس»..
اذكر النور بحميرهم وكلابهم ونفخهم الكير على الحطب والمطارق تصنع من الحديد الصديء العدم اشياء ذات قيمة، وعازف الربابة يوقظ الاحاسيس وهو يغني ويعزف، وسلمى ترقص والصبية بملابسهم الممزقة حفاة الاقدام، شبه عراة الاجسام..!!
انها ذكريات يوقظها عرار في النفس كلما خطر بيت من شعره الخالد على النفس وماذا اجمل من:
بين الخرابيش لا عبد ولا امة او لا ارقاء بزي احرار. الكل زط مساواة محققه، تنفي الفوارق بين الجار والجار؟!.