المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باكيت الملح


صالح صلاح شبانة
19-03-2008, 01:06 AM
صالح صلاح شبانة


رغم ان حاجة الانسان للملح لا تتعدى «13» غراما في اليوم، وقد تزيد الحاجة صيفا بسبب افراز العرق والحر الذي ينشط غدد العرق، فينتج افرازاته على الجلد، ولو ذاق احد جلده لوجده مالحا اشبه بسمك الفسيخ من العرق الذي طفا على جلده، فجف العرق وبقي الملح!
وقد يحصل الانسان على كمية الملح المطلوبة من خلال الطعام او الماء وصحن مخلل يمزمز عليه وهو لذيذ جدا ولا تطيب اكله بدونه ولا تطاق اكله بكثيرة، ولا ننسى ان الملح المادة الاساسية في المقيئات، فانظروا يا سبحان الله، فهو كالدواء قليلة شاف وكثيره قاتل. ويدخل الملح مع زميله على «180» السكر بجريمة القتل، فهو قد يكون سما للمصابين بامراض القلب والشرايين وضغط الدم. كما هو السكر للمصابين بمرض السكري الذي قد يكون قاتلا!!
ونحن لسنا بصدد الحديث الطبي العاطفي عن الملح، الذي كان يوما من الايام الكنز الحقيقي كما هو الذهب والبنك المركزي في ايامنا هذه. وكانت رواتب الجند تصرف ملحا باليود او غير اليود وكان يدخل السوق السوداء شأن الذهب والبورصة.
اما عندنا في الاردن فنحن ولله الحمد اغنياء بالملح. فلدينا حصة من البحر الميت، المنجم الحقيقي للاملاح بكافة انواعها، ولدينا منطقة الازرق التي تستخرج الملح من الواحات، ولكثرة الملح لدينا امنا انه ثروة دائمة على مدى الازمان والعصور، حتى اذا اردنا الدعوة على الاعداد بالفقر والحاجة وان لا يبقى لديهم شيئا يسد الرمق تقول «الله يشحدهم الماء او على سبيل التهديد «والله لاشحدك الملح». فالخبز يمكن ان نشحده والسكر وكذلك الماء به الرمق او يرطب به العرق.. ولو وضعته دائرة الضرائب بين حجري «البد» الذي يطحن ويعصر الزيتون لما استخلصت منه نقطة واحدة!
وكان باكيت الملح خواجا.. او باشا فهو لا ينقص عن الالف غرام كيلو بالتمام والكمال حتى اذا تعذر عيار معدني عن البقال، فهو يتناول بكل ثقة باكيت الملح ويستعمله كوزن دقيق للكيلو غرام. فلم تفكر مطحنة تطحن وتنقي الملح من خصم غرامات منه على سبيل التوفير مثلما يعمل صيدلي القطاع العام عندما يخصم من علاجك كذا حبة من كل نوع!!
وحتى اوائل القرن الحادي والعشرين يعني من سنتين او ثلاث او اربع، كان بائع الملح في السيارة يبيع «15» باكيتا بدينار اي كل «150» غراما من الملح بقرش واحد!! «يا بلاش»، والملح المادة الاكثر توفرا في البيت لانها بمتناول يد الجميع من «زعيط ومعيط ونطاط الحيط»، ولم يفكر احدنا باقتراض حفنة ملح من الجيران الى حين ميسرة، هذا من العناء والتكليف اكثر من اقتراض نحن لا نعرف بعضنا، والقاء التحية على الاخرين نجد فيه من العناء والتكليف اكثر من اقتراض او شحدة الملح!
من خلال سنتين او ثلاث سنوات انقلبت الدنيا، واهتز كل شيء وتناقص حتى الملح. ونزل الملح عن عرش الكيلو غرام الى «750» غراما بعشرة قروش، اي «75» غراما بقرش بعد ان كانت «150» غراما بقرش وتفاجات قبل ايام عندما اشتريت باكيت من الملح.. فقد ولى الزمن الذي كنت اشتري فيه «15» باكيتا بدينار مونة سنوية، قل نصنع منها مخللات وقد استعمل حفنة لفرك اسناني عندما لا يتوفر المعجون واتمضمض وانقع رجلي بالماء الساخن والملح تفاجأت ان الباكيت يحتوي فقط على «350» غراما اي كل «35» غراما بقرش.. والحبل عالجرار. السؤال الغريب الذي سأتفضل بطرحه: هل آن آوان الزمان لنشحد الملح؟؟ وفهمكم كغاية!!