المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انتصار التنين


صالح صلاح شبانة
28-03-2008, 02:22 AM
انتصر التنين/ بقلم سلام الراسي


عاش عمي "مخول" على خلاف دائم مع عمي " أبو سعدى" ، حول مفهوم " التقادير ". كان عمي مخول لا يؤمن بالقدر ويقول "ليس للانسان إلا ما سعى!" . في حين كان عمي أبو سعدى يؤمن " بالقسمة والنصيب" ويقول إن الإنسان مسير لا مخير، ولا يصيبه الا ما كتب الله له، فيرد عليه عمي مخول متهكما بمثل شعبي طريف : "شمر فوق وكر الدبابير، و قول هذي تقادير !". وكنا نحن صبيان العائلة اكثر تاثرا باقوال عمنا مخول، بسبب طرافة أقواله وبهرجة أمثاله التي كانت تراوح بين الأدب الرمزي والفنون التشكيلية. وعندما أرادت امرأة عمنا أبو سعدى أن تذهب إلى قرية "أبو قمحه" بعد ظهر يوم عاصف غلله ضباب ورعد وزمهرير، لكي تفي نذرا ل" مار جرجس أبوقمحه" على نية ابنتها " أنيسه "، لم يحاول العم أبو سعدى أن يثنيها، قال : " غير نصيبها ما بيصيبها ! " . وحين أقبل الليل وخيم الظلام ولم ترجع امرأة العم، قال : " لعلها صارت من نصيب " أبو عامر " الضبع ، ولم ينهض للبحث عنها. وما لبثت أن وصلت ومياه الأمطار " تزرزب" من ثيابها، وروت لنا باسلوب دراماتيكي، كيف لاحقها الضبع، ولكن من بعيد لبعيد، ولم يتجاسر أن يقترب منها، لأن "راعي الحصان " مار جرجس رافقها حتى عتبة باب البيت. من ذلك الوقت تألقت صورة مار جرجس في خيالنا نحن صبيان ذلك الزمان، وصرنا نعتقد أنه البطل العظيم وحارسنا الأمين من الضباع واللصوص والأعين الفارغة.

وعندما علمت في ما بعد أن الإنكليز انتحلوه شفيعا لهم وطوبوه قديسا لأمتهم دون سواها غضبت وحسبت عملهم عدوانا استعماريا على مقدساتنا الوطنية. فمار جرجس وهو "الخضر" عليه السلام، هو مواطن لبناني من ببروت، عن حق وحقيق، كان يعيش ذات وقت في محلة "ميناء الحصن" ، حيث يقوم الأن فندق "سان جورج " المسمى على اسمه، وحيث كانت تتألق أفخم فنادق المدينة، حتى بضع سنوات خلت. في ذلك الزمان كان " التنين " يخرج أحيانا من البحر ويلتهم أحد صبيان المحلة وينشر الذعر في المدينة، فاعتلى مار جرجس صهوة حصانه الأبيض وتصدى للتنين وقتله بطعنة نجلاء من رمحه الرديني وأراح الناس منه الى الأبد، فدعي المكان "خليج مار جرجس" إلى يومنا. ولهذا السبب كان "راعي الحصان " مار جرجس أو الخضر ، هو القديس الوطني الوحيد المشترك لأبناء مدينة بيروت، المسيحيين والمسلمين، فإذا تنافسوا فإنما في حبه واحترامه . ثم نشبت الحرب في لبنان، وما لبثت أن امتدت المعارك الى حي "ميناء الحصن" العريق الجميل، وتحول فندق "سان جورج" و " فينيسيا" و " هوليد!ي إن " و " هيلتون " وسائر فنادق الحي إلى متاريس. وحدث أن التقاني أحد رجال الحي وحياني على أصوات الصواريخ والمدافع وقال : " تحولت المعركة، الأن، إلى قتال بين مارجرجس من جهة والخضر من جهة أخرى، ولا حول ولا قوة . ..". وفي صباح اليوم التالي تحول الفجر الى غمام وظلام من دخان حريق " سان جورج " وسائر الفنادق ، الذي غطى سماء مدينة بيروت، فبحثت عن الرجل وسألته من الذي انتصر مساء أمس ، مار جرجس أم الخضر؟ " أجاب بحسر ومرارة : " انتصر التنين !" .


بواسطة الداعي بالخير
صالح صلاح شبانة