المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المطلوب من محمود عباس ومن المؤتمر الوطني الفلسطيني


فينيسيا
25-10-2007, 11:03 AM
د. عبد الاله بلقزيز


اذا صح ان السيد محمود عباس ـ رئيس السلطة الفلسطينية ـ اجاب رسالة كوندوليزا رايس المنقولة من الاسرائيليين (حول عدم طرح مطلب حق العودة في المؤتمر الامريكي والمفاوضات) بالرفض (ولنقل من باب الفأل الحسن: بالتمسك بذلك الحق)، سيكون (ابو مازن) حينها قد خطا الخطوة الاولي نحو الطريق الصحيح، وتمسك بتراث الشهيد ياسر عرفات في هذه المسألة بالذات. ليس ضروريا ان يضع المرء ابا مازن في ميزان المقارنة مع ياسر عرفات علي صعيد نوع الصلة التي اقامها كل منهما مع الثوابت الوطنية الفلسطينية، لان هذا الضرب من المقارنة قد لا يكون جائزا علي مقتضي القاعدة الفقهية لا قياس مع الفارق ، وهو ـ قطعا ـ ليس في مصلحة ابي مازن غير ان مجرد تعوده علي النطق بلاءات وطنية في وجه الاملاء الامريكي ـ الصهيوني فعل محمود يستحق عليه التقدير (ان صح فعلا انه اتاه علي ما تناهي اعلاميا). وان اردنا الحق، وجب ان يقال ـ في هذا المضمار ـ ان علي اي وطني فلسطيني، حتي وان كان معارضا، ان يحمي موقف ابي مازن هذا، ليس من الامريكيين والصهاينة وعرب التسوية، وانما من جماعة اوسلو نفسها المتحلقة به، وفي جملتها من دبجوا وثيقة جنيف لاهالة التراب علي الحق في العودة!
فموقف محمود عباس سيحفظهم كما احفظ موقف ياسر عرفات ـ في كامب ديفيد الثانية ـ من كانوا ينتظرون منه ان يمهر وثيقة الاستسلام المعروضة عليه من باراك.. ومن كلينتون!
غير ان هذه الخطوة الصحيحة من محمود عباس لا تكفي ولا تكتمل، ولا تصبح ادعي الي الاطمئنان السياسي في المجتمع الوطني الفلسطيني، الا متي ترافقت مع برنامج عمل وطني كامل يجهر به رئيس السلطة، ويقدمه جوابا علي نازلة المؤتمر الدولي (الامريكي) لـ السلام . مرة اخري ـ وابتداء ـ لا نطلب المستحيل منه في هذا الباب لانا نعرف انه ليس ياسر عرفات او احمد الشقيري او جورج حبش او خليل الوزير.
وليس يملك حرية القرار التي يملكها خالد مشعل، ورمضان عبد الله شلح، واحمد جبريل، ونايف حواتمة، بل وحتي اسماعيل هنية المحاصر في غزة، لكنه يملك ان يقول ـ في الحد الادني ـ امورا هي في عداد بديهيات السياسة الدولة والشرعية العربية. يستطيع ان يقول بكل بساطة: ان الفلسطينيين ضاقوا ذرعا بـ تسويات تزور حقوقهم وتشتري الزمن الكافي لسرقة ما تبقي من ارضهم، وبـ رعاية راع يرعي حقوق عدوهم وينحاز له في حلكة الليل ووضح النهار، وانهم ليسوا ضد مؤتمر لـ السلام يرفع الحيف والمعاناة عنهم، لكنهم يريدونه وفق شروط ثلاثة لا لبس فيها:

ـ ان يكون مؤتمرا دوليا ترعاه الامم المتحدة وليس مؤتمرا اقليميا ترعاه الولايات المتحدة ـ علي مثال مؤتمر مدريد او مؤتمر بوش ـ وتشهد عليه شهود زور من دول الاقليم والعالم (وطبعا في وسع محمود عباس ان يقول ذلك بعبارات مهذبة ودبلوماسية..).

ـ وان تكن قرارات الامم المتحدة كافة ـ ومنذ القرارين 181 و194 هي مرجعية المؤتمر وليس مقولات مائعة من قبيل الارض مقابل السلام او من قبيل خريطة الطريق وما يسمي بـ رؤية بوش !! او بـ مبادرة السلام العربية . ذلك ان مؤتمرا ترعاه الامم المتحدة لا يمكن ان يكون ـ من وجهة نظر القانون الدولي ـ إلا مستندا الي مرجعية واحدة وحيدة هي القانون الدولي وقرارات المؤسسة الدولية التي تمثله وتعبر عنه.

ـ ثم ان يكون هدف المؤتمر الدولي تنفيذ قرارات الامم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الصهيوني.

هذه الشروط متواضعة في منطق اية حركة تحرر وطني، وهي اقل القليل مما يمكن لرجل وضعته الاقدار علي رأس مؤسسات الشعب الفلسطيني ان يتمسك به، علما بأنها ليست برنامجا سياسيا، وهي دون البرنامج الوطني المرحلي لمنظمة التحرير افقا وممكنات واهدافا. غير ان تمسك رئيس السلطة بها، في هذه الايام الحوالك، يعادل البطولة. الا يحلم ابو مازن بان يصير بطلا؟ هذه فرصته التاريخية علي تواضع صورة البطولة فيها.
حين ستكون ترتيبات عقد مؤتمر بوش قد قطعت شوطا متقدما، سيكون قد التأم مؤتمر وطني فلسطيني في دمشق للرد علي الموتمر الاول. حسنا فعلت الفصائل العشرة حين فكرت في عقده: علي الرغم من انه كان من المفيد ـ بل من الواجب ـ ان يلتئم منذ فترة، علي الاقل منذ حصل الصدام بين حماس و فتح ونشأت هذه الحالة المستمرة من ازدواجية السلطة في مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية ومن القطيعة والطلاق بين الضفة وغزة!
حسنا فعلت الفصائل (وفعلت اللجنة التحضيرية) لان الحاجة الي هذا المؤتمر اكثر من ماسة اليوم: حيوية، واستراتيجية، ومصيرية. فمؤتمر بوش القادم يريد نفسه مناسبة سياسية عالمية للبناء علي اثنتين من افدح النتائج السياسية في منطقتنا في السنوات الاخيرة: الانقسام الداخلي الفلسطيني (وقد بلغ حدود الصدام والقطيعة)، والانقسام الداخلي العربي (وقد بلغ حدود انتظام فريق عربي رسمي وراء السياسة الامريكية من دون شروط، بل حدود اجازة العدوان الصهيوني علي المغامرات غير المحسوبة للمقاومة في لبنان)!. هدف المؤتمر استثمار حالتي الاهتراء الفلسطينية والعربية لتدفيع الشعب الفلسطيني من حقوقه مجددا وضخ المزيد من الارباح الصافية في رصيد المشروع الصهيوني وكيانه. ليست هناك من لحظة مثالية للسياسة الامريكية كي تحصد من الارباح في منطقتنا احسن من لحظة ينقسم فيها الفلسطينيون ويتقاتلون، وينقسم فيها العرب فيكيد بعضهم لبعض، بل ويرتفع فيها الطلب السياسي لدي بعض العرب والفلسطينيين علي الدور الامريكي في تقرير مصائر منطقتنا وشعوبنا! ولذلك ينعقد مؤتمر بوش (مثلما انعقد قبله مؤتمر مدريد ليحصد نتائج حرب الخليج الثانية). وللسبب نفسه، يشكل انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني جوابا موضوعيا عن تحد يمتحن مجمل المصير الوطني الفلسطيني في هذه اللحظة التي يراد فيها شطب الحق المقدس في العودة، وتصفية قضية القدس، وشرعنة الاستيطان تحت عنوان التبادل (يساوي تبادل الاراضي) وتزوير حق تقرير المصير من خلال استيلاد دولة (ولو علي الورق) من دون سيادة وبلا اسنان واظافر (منزوعة السلاح)!
علي المؤتمر الوطني الفلسطيني ان يعي لحظته السياسية التي ينعقد فيها وان يلتقط الظاهر والخفي من وقائعها لان في التقاطها ثم البناء عليها ـ استثمارا او اعتراضا ـ خط مسار العمل الوطني في اللحظة الراهنة. عليه ـ ابتداء ـ ان يتوقف مليا امام حقيقة جارية لا تخلو من مفارقات: لم تكن امريكا، منذ حرب فيتنام، اكثر ضعفا في منطقتنا مما هي عليه اليوم، علي الرغم من كل ما يوحي به عناد ادارتها الحاكمة، اسألوا اوضاعها الكارثية في العراق وافغانستان تعلمون. واسألوا اخفاقاتها في لبنان والسودان والصومال تتأكدون. ولم يكن النظام الرسمي العربي اشد ضعفا وبؤسا في تاريخه ـ ومنذ عبد الناصر ـ مما هو عليه اليوم. اسألوا موقفه من العدوان علي لبنان تعرفون.
ولم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية اشد تشرذما وتفككا، منذ حصار بيروت 1982 مثلما هي عليه اليوم. في المقابل، لم تكن حركة الممانعة الشعبية العربية اقوي في تاريخها المعاصر مما هي عليه اليوم. اليكم ثلاثة من اعظم ملامحها واروع وقائعها: تحرير جنوب لبنان (25 ايار ـ مايو 2000)، اجبار العدو علي الانكفاء العسكري عن قطاع غزة، انتصار المقاومة علي العدوان الاسرائيلي علي لبنان (صيف العام 2006) اذا ما اضفنا الي هذه الوقائع/ الملاحم الثلاث عنفوان المقاومة الوطنية في العراق، وتنامي حركة مناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وممانعة سورية وتمسكها بالثوابت القومية، اجتمعت الاسباب كافة للقول ان ممكنات تغيير الاوضاع في المنطقة لصالح الامة ليست معدومة كما يدعي سدنة اليأس والحبوط وألسنة الهزيمة.
لسنا في معرض مزايدات فنقول اننا في لحظة مد او هجوم. لكنا لا نقبل التساهل مع مفردات التراجع والانكفاء حينما تتبدي في المشهد الحالي ممكنات الانتقال من حالة القتال التراجعي الي حالة الدفاع الايجابي، ومن حالة الانكفاء الي حالة الممانعة، وفي ظني ان علي المؤتمر ان يتمعن في قراءة هذه الحقيقة وان لا يخطئ رصدها وبيانها من دون مبالغة او افراط في التفاؤل. والاهم من ذلك ان يبني عليها في عمل برنامجي بديل وشامل. ان لم يكن العقل السياسي الفلسطيني معنيا باستثمار هذا المعطي، فمن يستثمره اذن؟ واذا كان الخطاب موجها الي المؤتمر الوطني الفلسطيني في المقام الاول، فهو موجه بالقدر نفسه الي الفريق الفلسطيني الاخر الذي سيكون شريكا في مؤتمر بوش، والذي يبدو انه لا يلقي بالا لمثل هذه الحقائق الايجابية في المشهد السياسي! (ليت الاخ ابا مازن يتذكر ان الشهيد ياسر عرفات لم يقلب الطاولة علي الاسرائيليين والامريكيين في كامب ديفيد الثانية وتمسك بثوابت شعبه الا لانه ادرك ان ثمة متغيرا جديدا حصل في المنطقة لصالح قضيته: انتصار المقاومة اللبنانية وهزيمة اسرائيل وانسحابها من الجنوب في 25 ايار (مايو) 2000، اي قبل شهرين فقط من مفاوضات كامب ديفيد. ولقد حصل في تموز (يوليو) 2006 وعلي مدي اربع سنوات من المقاومة في العراق مثيل ذلك او يزيد).
غير انه ـ قبل هذه القراءة المطلوبة لمشهد المتغيرات الايجابي وبعدها ـ سيكون علي المؤتمر الوطني الفلسطيني ان يتحاشي حصر اهدافه في مجرد الرد علي مؤتمر بوش او تعبئة قسم من المجتمع السياسي الفلسطيني ضده وضد ازعومة التسوية المطلة من جديد. قد ينعقد المؤتمر الامريكي وقد لا ينعقد. واذا انعقد، قد يحقق بعض اهدافه وقد لا يحقق منها شيئا. لكن الذي سيبقي شاخصا في الواقع، وسيظل يفرض التعبئة الوطنية الداخلية هو: الاحتلال، وازمة العمل الوطني الفلسطيني. كيف يمكن تحرير الوطن وفرض جلاء الاحتلال عن الارض؟ هذا سؤال الاسئلة. اما اذا كان الجواب الموضوعي والطبيعي عنه هو: بالمقاومة (وهو ـ من دون اي شك ـ الجواب الصحيح)، فانه يرسم خيارا ولكنه لا يضع برنامجا سياسيا. وهنا تتناسل الاسئلة التي تحتاج الي اجوبة سياسية تصبح ـ هي نفسها ـ مادة ذلك البرنامج السياسي المطلوب: كيف يمكن بناء اطار مرجعي للتمثيل الوطني الفلسطيني (هو منظمة التحرير) مع وجود ازدواجية في التمثيل والنطق: المنظمة والسلطة؟ كيف يمكن تحرير الوطن مع وجود ازدواجية في البرنامج: المقاومة والمشاركة في سلطة اوسلو ؟ كيف يمكن تفعيل دور مؤسسات العمل الوطني في اللجوء بعد انتقال مركز الثقل الي الداخل وبعد احتكار هذا الداخل للقرار؟ كيف يمكن تحويل مطلب حق العودة الي جوهر المطالب الوطنية الفلسطينية لانه ـ بخلاف مطلب الانسحاب والقدس الشرقية ـ المطلب الوحيد لدي الفلسطينيين في كل الوطن وليس في بعض الوطن، ولانه المطلب الوحيد الذي يزج بثلاثة ارباع الشعب الفلسطيني (من اللاجئين) في المعركة من اجل الوطن، ثم لانه المطلب الوحيد الذي يعيد سلطة القرار من السلطة الي المنظمة؟
هذه عينة من الاسئلة التي علي المؤتمر الوطني الفلسطيني ان يتوقف عندها مليا. علي العقل السياسي الفلسطيني اليوم ان يجيب: هل يريد الوطن ام يريد الدولة؟ نريد ان نقول: ألم تأخذه فكرة الدولة بعيدا عن فكرة الوطن منذ زمان؟!