المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من دروس وعد بلفور


جيفارا
09-11-2007, 07:15 PM
<TABLE id=table15 dir=rtl cellSpacing=0 cellPadding=0 width="100%" border=0><TBODY><TR><TD class=MainNewsTitle vAlign=top align=middle colSpan=2>مِن دروس "وعـد بلفور"</TD></TR><TR><TD colSpan=2 height=20></TD></TR><TR><TD class=Details vAlign=top align=middle colSpan=2>بقلم: علي جرادات
رغم أنهم لـم يكفوا عن النضال يوماً، وإن بوتائر مختلفة، تبعاً لتغيرات ميزان القوى في كل مرحلة، إلا أن الفلسطينيين لـم يتمكنوا، (حتى الآن)، مِن تحقيق نصر حاسم، يكفل استعادتهم ولو الحـد الأدنى مِن حقوقهم الـمغتصبة وتطلعاتهم الـمشروعة، وذلك رغم مرور تسعين عاماً على وعـد "بلفور"، الذي جاء كدعم "دولي" لإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين، وعلى حساب سكانها الأصليين، وكحلقة مِن حلقات التطبيق العملي لـمعاهدة "سايكس ـ بيكو" الاستعمارية التمزيقية للوطن العربي.

عبَّر صدور وعد بلفور ونجاح تنفيذه اللاحق، في إحدى دلالاته السياسية ومغازيه البعيدة، عن حقيقةَ أن القضية الفلسطينية كانت، وما زالت، قضية دولية بامتياز، وتلك حقيقة لا يلغيها تضخيم الإسرائيليين، بمعانٍ مختلفة، لدور عاملهم الذاتي في نجاح مشروعهم، كما لا يلغيها، مَيل بعض العرب والفلسطينيين، في فترات مختلفة، وبدرجات متفاوتة، الى التقليل مِن أهمية دور العامل الدولي في حسم الصراع واستعادة الحقوق.
في السياق، يقول الدكتور عزمي بشارة محقاً: "إن القضية الفلسطينية لا تشابه مِن حيث اتساع وكثافة حيثياتها الدولية أية قضية وطنية أخرى في التاريخ"، ويضيف في كتابه (مرور عام على الانتفاضة الـمجيدة)، "لا يُحسَم الـموضوع الفلسطيني بصدام إسرائيلي ــ فلسطيني في معركة أو معارك فاصلة، ولا بد مِن أخـذ الفعل الدولي بعين الاعتبار"، ليستخلص: "إن أخـذ العامل الدولي وتأثيراته السلبية على إمكانية حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً منذ العام 1948 بعين الاعتبار، يجب أن يترك بصماته على استراتيجية النضال والـمقاومة".

بلى، إن أهمية، حتى لا نقول استثنائية، تأثيرات العامل الدولي على القضية الفلسطينية، إيجاباً أو سلباً، مسألة، بل قُلْ حقيقة، سياسية لا مراء فيها، إلا عند أولئك الهواة، الذين لا يعرفون مِن السياسة أكثر مِن اسمها، ذلك أن نشوء الدول، كما توسيع نفوذها أو تقليصه، لا ينفصل عن تأثيرات العامل الدولي، وذلك ما كان في الحالة الإسرائيلية، وهو ذاته قَدَر الحالة الفلسطينية، خاصة بعد انطفاء استراتيجية التحرير الرسمية العربية، التي قليلاً ما كانت جادة وحقيقية، خلا طورها الناصري، بما له وما عليه. وبالتالي، فإن الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، كأي صراع، بل ربما أكثر مِن أي صراع آخر، لا تحكمه معادلة ميزان القوى الـمحلي والإقليمي فقط، بل وميزان الـمعادلة الدولية أيضاً، دون إغفال ما بين الـمعادلتين مِن علاقة جدلية، بمعنى أن إيجابية التأثيرات الدولية وسلبيتها، تعتمد، بنسبة كبيرة، على تفعيل عوامل القوة الذاتية، وتوظيفها في الضغط على الأطراف الدولية النافذة في كل مرحلة. فسياسة استجداء العامل الدولي شيء، وسياسة الضغط على شرايين مصالحه شيء آخـر، وكذا فإن سياسة توظيف دعم العامل الدولي لتعزيز القوة الذاتية، كما فعل الإسرائيليون منذ قيام دولتهم، هي شيء آخـر عن سياسة الاتكال أو الاعتماد الكلي عليه، كما فعلت السياسة الرسمية العربية، على الأقل، منذ انتهاء حرب العام 1973، واعتبارها آخـر الحروب.

لـمناسبة مرور تسعين عاماً على وعـد بلفور، كوعـدٍ "دولي" مهَّد لقيام دولة إسرائيل عام 1948، بقرار دولي آخر، أفضى الى نكبة الفلسطينيين، عبر ابتلاع أرضهم واقتلاعهم منها، فإن مِن الأهمية بمكان لأطراف السياسة الفلسطينية، الـمثخنة هذه الأيام بجراح انقسامها الكارثي وتفكك حاضنها القومي وعجزه وارتهانه، أن تقف مجدداً، وبصورة موحدة جدية ومسؤولة، أمام معنى أهمية العامل الدولي في نشوء القضية الفلسطينية ومصيرها. فبين خطيئتي: معادلة إنكار أهمية العامل الدولي، وعدم أخذه بالحسبان، ومعادلة حسبانه دون الانتباه الى علاقته بعامل القوة الذاتية، هناك الـمعادلة الـمطلوبة، هي، بصياغة الدكتور عزمي بشارة: "الـمعادلة التي تربط استمرار النضال ورفض التوقيع على تسوية غير عادلة مع عملية بناء الذات البطيئة والتدرجية والـمثابرة ضمن الـمعطيات القائمة ومِن خلال خلق حقائق واقعية تعيد تشكيل هذه الـمعطيات".

وهذا ما كان تحقق باندلاع الثورة الفلسطينية الـمعاصرة عشية وبعد هزيمة عام 1967، وذلك بعد انقطاع العامل الوطني الفلسطيني، (قرابة عقدين بعد النكبة)، عن التأثير في الـمعادلة الدولية. فبقدح حفنة طليعية مِن الشباب الفلسطيني لشرارة الطور الـمعاصر مِن الثورة، التي أشعلت كامل السهل الفلسطيني في الشتات والوطن مِن أقصاه الى أقصاه، انتقل الفلسطينيون مِن وضعية اللاجئين، الذين تكفيهم مؤونة الإغاثة، إلى وضعية شعب له قضية سياسية وطنية وقومية مفروضة على السياسة الدولية.

إن مواصلة الفلسطينيين فرض قضيتهم على الـمعادلة الدولية، خاصة في راهنها الـمجافي، تحتاج أول ما تحتاج، الى توفر عامل قيادي صلب وحكيم في آن. فهنالك فرق بين ضرورة توفر قوة الإرادة كشرط للصمود وتحقيق الإنجازات، وهو مطلوب دوماً، وبين عدم ربطه بالحكمة السياسية وعمق البصيرة، اللتين دون توفرهما، تصبح القيادة شكلاً مِن أشكال ممارسة الإرادوية، التي تفرض الفكر على الواقع، وكأنه الواقع، ما يغذي الخطاب السياسي الشعبوي، الذي لا يدرك الفرق بين سياسة تجاوز الحواجز وسياسة إنكارها، والفرق: أن الإنكار يتصرف كأن الحواجز غير موجودة، وبالتالي يصطدم بها، فيتحطم ويتحطم مَن معه ومَن يعتمد عليه، بينما التجاوز، يكون تقديراً لهذه الحواجز، ويأخـذ الإجراءات اللازمة للقفز عنها أو الدوران حولها، وذلك ما يحتاج إلى ترتيب وتخطيط واستجماع قوى، بما يتطلبه ذلك مِن شرط قيادي موحَّد صلب وحكيم.

هنا، ومِن باب الإنصاف، فقد كان الشهيد أبو عمار، الذي يفصلنا أسبوع عن ذكرى رحيله، قائداً فلسطينياً استثنائياً، بل نادراً لا يعوض، بمعايير عدة، خاصة بمعيار قدرته على التعامل مع اللوحة الدولية ومستجداتها العاصفة، وتحولاتها القاتلة أحياناً، حيث ظلَّ، (بصرف النظر عن أي خلاف أو اختلاف معه)، حتى رحيله مسمَّماً بأيـدٍ إسرائيلية، قائداً وطنياً شعبياً:
أولاً: مبادراً وجريئاً في اتخاذ القرارات الـمصيرية وتحمل مسؤولياتها.
ثانياً: موهوباً يبقي كل الخيارات مفتوحة، وجسوراً لـم يغلق باب الخيار الكفاحي، اللهم لتجاوز الحواجز الصعبة.
ثالثاً: ربط بمهارة بين القتال كوسيلة والتثمير السياسي الـمتراكم كهدف.
رابعاً: جلوداً لـم يعرف الراحة يوماً، انتمى للشعب، وانغمس في همومه حـدَّ التماهي.
والأهم مِن كل ذلك، وارتباطاً بموضوعنا، أي استثنائية "دولية" القضية الفلسطينية، فـقـد أجادَ أبو عمار، سياسة الـمناورة في الـمحطات القاتلة مع الحفاظ على الخطوط الحمر، وكان صموده في مفاوضات كامب ديفيد 2000 محطة مفصلية على هذا الصعيد، كلّفه حياته، حين أصرت تل أبيب، بدعم واشنطن، على تخييره بين العزل أو التوقيع على شروط الاستسلام، بينما خذله النظام الرسمي العربي، وتركه، كما الشعب الذي أنجبه والتف حوله، يواجه مصيره منفرداً، فاختار الشهادة على الاستسلام.
واليوم، وبعد مرور ستين عاماً على وعد بلفور الـمشؤوم؛ وبعد مرور ثلاثة أعوام على رحيل قائد فلسطيني استثنائي؛ وبالنظر الى ما تعانيه الحالة القيادية الفلسطينية مِن انقسامات وثغرات نوعية على غير صعيد؛ وارتباطاً بما تواجهه القضية الفلسطينية مِن ظرف دولي وإقليمي شائك ومعقد، فإن الفلسطينيين، ونخبهم القيادية على وجـه الخصوص، مدعوون الى التبصر، بمعانٍ مختلفة، في سؤال: ما هو السبيل الأصوب، للتعامل مع ظرف دولي تحكمه، بدرجة كبيرة، أميركا، العدو الأول للشعوب وحريتها واستقلالها؟!!!

مِن النافل القول: إن قوة الإرادة النضالية وعمق الحكمة السياسية، واستعادة وحدة الصف الوطني، قبل أي شيء آخر، هي خصال قيادية أساسية، ولا بد منها، لتجاوز ما يعانيه الفلسطينيون مِن مآزق، تهدد مشروعهم الوطني بالانهيار، وتنذر بإعادة نضالهم الوطني وتضحياته ومنجزاته عقوداً للوراء، هذا، إن هي لـم تكن قد أعادتهم الى ذلك عملياً، بدرجات كبيرة، ومعانٍ مختلفة.

</TD></TR></TBODY></TABLE>